الشنقيطي

19

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

والذي يدل عليه القرآن : أن الحزبين كليهما من أصحاب الكهف . وخير ما يفسر به القرآن القرآن ، وذلك في قوله تعالى : وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهُمْ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ [ الكهف : 19 ] . وكأن الذين قالوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ هم الذين علموا أن لبثهم قد تطاول . ولقائل أن يقول : قوله عنهم رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ يدل على أنهم لم يحصوا مدة لبثهم . واللّه تعالى أعلم . وقد يجاب عن ذلك بأن رد العلم إلى اللّه لا ينافي العلم ، بدليل أن اللّه أعلم نبيه بمدة لبثهم في قوله : وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ [ الكهف : 25 ] الآية ، ثم أمره برد العلم إليه في قوله : قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا [ الكهف : 26 ] الآية . وقوله بَعَثْناهُمْ أي من نومتهم الطويلة . والبعث : التحريك من سكون ، فيشمل بعث النائم والميت ، وغير ذلك . وقد بينا في ترجمة هذا الكتاب المبارك : أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يذكر اللّه جل وعلا حكمة لشيء في موضع ، ويكون لذلك الشيء حكم أخر مذكورة في مواضع أخرى - فإنا نبينها . ومثلنا لذلك ، وذكرنا منه أشياء متعددة في هذا الكتاب المبارك . وإذا علمت ذلك فاعلم أنه تعالى هنا في هذه الآية الكريمة بين من حكم بعثهم إظهاره للناس : أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا . وقد بين لذلك حكما أخر في غير هذا الموضع . منها - أن يتساءلوا عن مدة لبثهم ، كقوله : وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهُمْ [ الكهف : 19 ] الآية . ومنها - إعلام الناس أن البعث حق ، وأن الساعة حق لدلالة قصة أصحاب الكهف على ذلك . وذلك في قوله : وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها [ الكهف : 21 ] الآية . واعلم أن قوله جل وعلا في هذه الآية الكريمة ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ الآية - لا يدل على أنه لم يكن عالما بذلك قبل بعثهم ، وإنما علم بعد بعثهم ؛ كما زعمه بعض الكفرة الملاحدة ! بل هو جل وعلا عالم بكل ما سيكون قبل أن يكون ، لا يخفى عليه من ذلك شيء . والآيات الدالة على ذلك لا تحصى كثر . وقد قدمنا - أن من أصرح الأدلة على أنه جل وعلا لا يستفيد بالاختبار والابتلاء علما جديدا سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا - قوله تعالى في آل عمران : وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ( 154 ) [ آل عمران : 154 ] فقوله وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ( 154 ) بعد قوله وَلِيَبْتَلِيَ دليل واضح في ذلك . وإذا حققت ذلك فمعنى لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أي نعلم ذلك علما يظهر الحقيقة للناس ،